العيني

99

عمدة القاري

فقوله : ( ليلة الحصبة ) ، بفتح الحاء وسكون الصاد المهملة وفتح الباء الموحدة ، وفي رواية المستملي : ليلة الحصباء . قوله : ( ليلة النفر ) ، عطف بيان لليلة الحصبة ، والنفر ، بفتح النون وإسكان الفاء وبفتحها أيضا . قال الجوهري : يقال : يوم النفر وليلة النفر لليوم النذي ينفر الناس فيه من منىً ، وهو بعد يوم النفر ، وقيل : ليالي المبيت بمنىً التي تتقدم النفر من منىً قبلها ، فهي شبيهة بليلة عرفة . وقيل : فيه رد على من قال : كل ليلة تسبق يومها إلاَّ ليلة عرفة ، فإن يومها يسبقها ، فقد شاركتها ليلة النفر في ذلك . قوله : ( ما كنت تطوفي بالبيت ) ، أصل : تطوفي : تطوفين . فحذفت منه النون تخفيفا . وقيل : حذفها من غير ناصب أو جازم لغة فصيحة . قوله : ( قلت : لا ) ، هكذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر عن المستملي : ( قلت : بلى ) . وهي محمولة على أن المراد : ما كنت أطوف . وقال الكرماني : ما توجيه بلى ، إذ تكون حينئذ متمتعة . فلم أمرها بالعمرة ؟ فأجاب : بأن : بلى ، تستعمل بحسب العرف استعمال نعم ، مقررا لما سبق ، فمعناه كمعنى كلمة النفي . قوله : ( وحاضت صفية ) أي : في أيام منىً ، وسيأتي في : باب الإدلاج من المحصب ، أن حيضها كان ليلة النفر ، وعند مسلم ، زاد الحكم عن إبراهيم : ( لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة ، فقال : عقري . . . ) الحديث . قوله : ( عقرى حلقي ) على وزن : فعلى : بغير تنوين ، هكذا في الرواية ، ويجوز في اللغة التنوين ، وصوبه أبو عبيد لأن معناه الدعاء : بالعقر والحلق ، كما يقال : سقيا ورعيا ، ونحو ذلك من المصادر التي يدعى بها . وقد مر تفسيره على أقوال متعددة في : باب التمتع والإقران . قوله : ( فلا بأس انفري ) هذا تفسير لقوله في الرواية التي مضت في أول الباب ، فلا إذا ، وفي رواية أبي سلمة قال : أخرجوا . وفي رواية عمرة قال : أخرجي ، وفي رواية الزهري عن عروة عن عائشة في المغازي ، فلتنفر ، ومعانيها متقاربة ، والمراد بها كلها الرحيل من منىً إلى جهة المدينة . قوله : ( مصعدا ) بمعنى ، صاعدا إذا صعد لغة في صعد . قوله : ( وقال مسدد . . . ) إلى آخره ، تعليق لم يقع في رواية أبي ذر ، وثبت لغيره . قوله : ( وتابعه جرير ) ، أي : تابع مسددا جرير بن عبد الحميد عن منصور بن المعتمر في قوله : ( لا ) ، أما رواية مسدد ففي مسنده برواية أبي خليفة عنه ، قال : حدثنا أبو عوانة فذكر الحديث بسنده ومتنه ، وقال فيه : ( ما كنت طفت ليالي قدمنا ) ، وأما رواية جرير عن منصور فوصلها البخاري في : باب التمتع والإقران عن عثمان بن أبي شيبة عنه ، وقال فيه : ( وما كنت طفت ليالي قدمنا مكة ؟ قلت : لا ) . والغرض من السؤال أنك ما كنتِ متمتعة ، فلما قالت : لا ، كما رواه مسدد ، أمرها بالعمرة . فإن قلت : لا يلزم من نفي التمتع الاحتياج إلى العمرة لاحتمال أن تكون قارنة . قلت : الأكثر على أنها كانت قارنة ، ورواية مسلم صريحة بقرانها ، وأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة نافلة تطييبا لقلبها حيث أرادت أن تكون لها عمرة منفردة مستقلة ، وأما إن كانت مفردة فالأمر بالعمرة إنما هو على سبيل الإيجاب . ومن فوائد هذا الحديث : أن طواف الإفاضة ركن ، وأن طواف الوداع واجب . وقال بعضهم ، وأن الطهارة شرط لصحة الطواف . قلت : لا نسلم ذلك ، فإن هذا الحديث لا يدل على ذلك . ومنها : أنه يلزم أمير الحاج أن يؤخر الرحيل لأجل من تحيض ممن لم تطف للإفاضة ، ورد هذا باحتمال أن إرادة النبي صلى الله عليه وسلم تأخير الرحيل إكراما لصفية ، كما احتبس بالناس على عقد عائشة ، رضي الله تعالى عنها . قلت : روى البزار من حديث جابر ، وأخرجه الثقفي في فوائده من طريق أبي هريرة مرفوعا : ( أميران وليسا بأميرين : من تبع جنازة فليس له أن ينصرف حتى تدفن أو يأذن أهلها ، والمرأة تحج أو تعتمر مع قوم فتحيض قبل طواف الركن ، فليس لهم أن ينصرفوا حتى تطهر أو تأذن لهم ) . قلت : إسناد كل منهما إسناد ضعيف جدا ، ولئن سلمنا صحتهما فلا دلالة لهما على الوجوب ، وقد ذكر مالك في ( الموطأ ) أنه يلزم الجمال أن يحبس لها إلى انقضاء أكثر مدة الحيض ، وكذا على النفساء ، واعترض عليه ابن المواز بأن فيه تعريضا للفساد : كقطع الطريق ، وأجابه القاضي عياض بأن محل ذلك أمن الطريق ، كما أن محله أن يكون مع المرأة محرم ، والله أعلم . 641 ( ( بابُ منْ صَلَّى الْعَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بالأبْطَحِ ) ) أي : هذا باب يذكر فيه من صلى صلاة العصر يوم النفر ، وهو يوم الرجوع من منىً . قوله : ( بالأبطح ) وهو البطحاء التي بين مكة ومنىً ، وهي ما انبطح من الوادي واتسع ، وهي التي يقال لها : المحصب والمعرس ، وحدها ما بين الجبلين إلى المقبرة . 3671 حدَّثنا محَمَّدُ بنُ المُثَنَّى قال حدَّثنا بنُ يُوسُفَ قال حدَّثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ